الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
255
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم أوضح مراده من هذا الكلام بأنني خائف عليكم عن العادات والتقاليد السيئة التي كانت متفشية في الأقوام السالفة . مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ( 1 ) . لقد نالت هذه الأقوام جزاء ما كانت عليه من الكفر والطغيان ، إذ قتل من قتل منهم بالطوفان العظيم ، وأصيب آخرون منهم بالريح الشديدة ، وبعضهم بالصواعق المحرقة ، ومجموعة بالزلازل المخربة . واليوم يخاطبهم مؤمن آل فرعون : ألا تخشون أن تصيبكم إحدى هذه البلايا العظيمة بسبب إصراركم على الكفر والطغيان ؟ هل عندكم ضمان بأنكم لستم مثل أولئك ، أو أن العقوبات الإلهية لا تشملكم ، ترى ماذا عمل أولئك حتى أصابهم ما أصابهم ، لقد اعترضوا على دعوة الأنبياء الإلهيين ، وفي بعض الأحيان عمدوا إلى قتلهم . . . لذلك كله فإني أخاف عليكم مثل هذا المصير المؤلم ! ؟ ولكن ينبغي أن تعلموا أن ما سيصيبكم ويقع بساحتكم هو من عند أنفسكم وبما جنت أيديكم : وما الله يريد ظلما للعباد . لقد خلق الله الناس بفضله وكرمه ، ووهبهم من نعمه ظاهرة وباطنة ، وأرسل أنبياءه لهدايتهم ، ولصد طغيان العتاة عنهم ، لذلك فإن طغيان العباد وصدهم عن السبيل هو السبب فيما ينزل بهم من العذاب الأليم . ثم تضيف الآية على لسانه : ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد أي يوم تطلبون العون من بعضكم البعض ، إلا أصواتكم لا تصل إلى أي مكان . " التناد " مأخوذة أصلا من كلمة " ندا " وتعني " المناداة " ( وهي في الأصل ( التنادي ) وحذفت الياء ووضعت الكسرة في محلها ) والمشهور بين المفسرين أن
--> 1 - " دأب " على وزن ( ضرب ) تعني في الأصل الاستمرار في السير ، و ( دائب ) تطلق على الكائن الذي يستمر في سيره ثم أصبحت بعد ذلك تستعمل لأي عادة مستمرة . . . والمقصود هنا من ( دأب قوم نوح ) هو قيامهم واستمرارهم واعتيادهم على الشرك والطغيان والظلم والكفر .